أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
395
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فيه وجهان : أحدهما : أنه على بابه ، بمعنى : مستور عن أعين الكفار فلا يرونه ، وقيل : هو على النسب ، أي : ذو ستر كقولهم : مكان مهول ، وجارية مغنوجة ، أي : ذو هول وذات غنج ، ولا يقال فيهما هلت المكان ، ولا غنجت الجارية ، وقيل : هو وصف على جهة المبالغة ، كقولهم : شعر شاعر . وردّ هذا بأن ذلك إنما يكون في اسم الفاعل ، ومن لفظ الأول . والثاني : « أنه بمعنى فاعل كقولهم : مشئوم ، وميمون ، بمعنى : شائم ويأمن . وهذا كما جاء اسم الفاعل بمعنى مفعول ، ك « ماءٍ دافِقٍ » ، وهذا قول الأخفش في آخرين . قوله : . . . وَحْدَهُ . . . . فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب على الحال ، وإن كان معرفة لفظا ، لأنه في قوة النكرة إذ هو في معنى منفردا ، وهل هو مصدر ، أو اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال ، فوحده وضع موضع إيحاد ، وإيحاد وضع موضع موحد . وهو مذهب سيبويه ، أو هو مصدر على حذف الزوائد ، إذ يقال : أوحده يوحده إيحادا ، أو هو مصدر بنفسه ل « وحد » « ثلاثيا » . قال الزمخشري : « وحد يحد وحدا وحدة ، نحو : وعد يعد وعدا وعدة ، و « وَحْدَهُ » من باب « رجع عوده على بدئه » ، و « إفعله جهدك وطاقتك » في أنه مصدر سادّ مسدّ الحال ، أصله : يحد وحده ، بمعنى واحدا » . قلت : وقد عرفت أنّ هذا ليس مذهب سيبويه . والثاني : أنه منصوب على الظرف وهو قول يونس ، واعلم أن هذه الحال بخصوصها ، أعني لفظة « وَحْدَهُ » ، إذا وقعت بعد فاعل ومفعول ، نحو : « ضرب زيد عمرا وحده » ، فمذهب سيبويه « 1 » أنه حال من الفاعل ، أي : موحدا له بالضرب ، ومذهب المبرد أنه يجوز أن يكون حالا من المفعول . قال الشيخ : « فعلى مذهب سيبويه يكون التقدير : وإذا ذكرت ربك موحدا للّه . وعلى مذهب المبرد يجوز أن يكون التقدير : موحدا بالذكر » . قوله : « نُفُوراً » فيه وجهان : أحدهما : أنه مصدر على غير المصدر ، لأن التوالي والنفور بمعنى . والثاني : أنه حال من فاعل « وَلَّوْا » وهو حينئذ جمع نافر ، ك « قاعد » ، وقعود ، وجالس ، وجلوس . والضمير في « وَلَّوْا » الظاهر عوده على الكفار ، وقيل : يعود على الشّياطين » ، وإن لم يجر لهم ذكر . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 47 إلى 50 ] نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً ( 47 ) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ( 48 ) وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 49 ) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 )
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 373 ) .